عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
159
اللباب في علوم الكتاب
يتأثّر من ذلك التخويف ، ويقول : ربّما كان الذي يقوله محمّد حقّا ، ولا يجوز حمله على المؤمنين ، لأن المؤمنين يعلمون أنهم يحشرون إلى ربهم ، والعلم خلاف الخوف والظن . ولقائل أن يقول : إنه لا يمتنع أن يدخل فيه المؤمنون ؛ لأنهم وإن [ تيقّنوا ] « 1 » الحشر فلم يتيقّنوا العذاب الذي يخاف منه لتجويزهم ألّا يموت أحدهم على الإيمان ، وتجويز ألّا يموتوا على هذه الحالة ، فلهذا السّبب كانوا خائفين من الحشر بسبب أنهم كانوا مجوزين لحصول العذاب وخائفين منه . وقيل : المراد بهم المؤمنون ؛ لأنهم المقرّون بصحّة الحشر والنّشر والقيامة والبعث ، فهم الذين يخافون من عذاب ذلك اليوم . وقيل : إنه يتناول الكلّ ؛ لأنه لا عاقل إلّا وهو يخاف الحشر ، سواء قطع بحصوله أو شكّ فيه ، ولأنه عليه الصّلاة والسّلام كان مبعوثا إلى الكلّ ، وإنّما خصّ الذين يخافون الحشر ؛ لأن انتفاعهم بذلك الإنذار أكمل ؛ لأن خوفهم يحملهم على إعداد الزّاد ليوم المعاد . قوله : « لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ » العامل فيه « يخافون » وهاهنا بحث ، وذلك أنه إذا كان المراد من الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم الكفّار ، فالكلام ظاهر لأنه ليس لهم عند اللّه شفعاء ، وذلك لأن اليهود والنصارى كانوا يقولون : نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [ المائدة : 18 ] فكذّبهم اللّه فيه . وقال في آية أخرى ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ [ غافر : 18 ] ، وقال : فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ [ المدثر : 48 ] . وإن كان المراد المسلمين ، فنقول : قوله : لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ [ لا ] « 2 » ينافي مذهب أهل السّنّة في إثبات الشّفاعة للمؤمنين ، فنقول : لأن شفاعة الملائكة والرسل للمؤمنين إنما تكون بإذن اللّه - تعالى - لقوله : مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [ البقرة : 255 ] فلما كانت تلك الشّفاعة بإذن اللّه كانت في الحقيقة من اللّه . قوله : لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ . قال ابن عبّاس : وأنذرهم لكي يخافوا في الدنيا ، وينتهوا عن الكفر والمعاصي « 3 » . قالت المعتزلة « 4 » : وهذا يدلّ على أنه - تعالى - أراد من الكفّار التّقوى والطاعة ، وقد سبق الكلام على مثل هذا النوع مرارا . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 52 ] وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ ( 52 )
--> ( 1 ) في ب : يقنوا . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) ينظر : الرازي 12 / 192 . ( 4 ) ينظر : الرازي 12 / 193 .